73 ألفاً يحملونها... في انتظار تطبيق جدّي للقانون بطاقة المعوق: امتيازات مسلوبة وفاعلية محدودة

"بطاقة المعوق" تخول حامليها الـ73 الفاً و244 لبنانيا التمتع بامتيازات عديدة، صحية، وظيفية، سكنية، ضريبية، حياتية، تعليمية... القانون 220/2000 الخاص بحقوق المعوقين واضح جدا في هذا المجال. لكن الواقع يبين انتهاكا صارخا لهذه الحقوق، ضربا للقانون بعرض الحائط معظم الاحيان، بما يسلب البطاقة امتيازاتها، ويجردها من فاعليتها.
"لكل معوق... الحق في الحصول على بطاقة شخصية تخوله ممارسة الحقوق والامتيازات التي تمنحها القوانين والانظمة النافذة. وتعتبر هذه البطاقة الوسيلة الوحيدة التي تعتمد لاثبات الاعاقة". المادة 4 من القانون 220 تبرز اهمية هذه البطاقة". "فهي بمثابة مستند رسمي يمكن المعوق من الحصول على كل التقديمات التي ينص عليها هذا القانون"، تقول رئيسة مصلحة شؤون المعوقين في وزارة الشؤون الاجتماعية السيدة كورين عازار لـ"النهار". وما يتضمنه هذا القانون جيد، "جميل جدا"، على قولها، "اذ يؤمن للمعوق امتيازات كثيرة... هذا اذا طُبّق!".
لائحة الامتيازات طويلة، منوعة، تشمل مختلف المجالات، اذ تؤمن للمعوق "الحصول على الخدمات الصحية واعادة التأهيل وخدمات الدعم بكاملها وذلك على نفقة الدولة"، الحق في "بيئة مؤهلة"، في "التنقل في وسائل نقل عامة مؤهلة والافادة من حسوم ومنافع"، لاسيما على صعيد المواقف ورخص السوق، في "السكن بتخصيص مساكن مؤهلة في اي مشروع مساكن شعبية او تجمعات سكنية تقوم بها الدولة او اي جهة عامة"، وتأمين ضمانات في البيع والتأجير وتسهيل القروض، الحق في التعليم والرياضة، لاسيما لجهة "الانتساب الى المؤسسات التربوية وتغطية نفقات التعليم والمشاركة في الامتحانات الرسمية"، الحق في العمل والتوظيف والتقديمات الاجتماعية، اضافة الى اعفاءات ضريبية وبلدية وعلى الاملاك المبنية وغيرها...
"لا يطبق الا في شكل بسيط"
العام 1994 اطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية البطاقة. "من 1 كانون الثاني 1995 حتى 23 تشرين الثاني 2010، شمل توزيعها 73 الفا و244 معوقا في مختلف المحافظات"، على ما تفيد عازار. ويحدد القانون 220 المعوق بانه "الشخص الذي تدنت، أو انعدمت، قدرته على: ممارسة نشاط حياتي مهم واحد او اكثر، او تأمين مستلزمات حياته الشخصية بمفرده، او المشاركة في النشاطات الاجتماعية على قدم المساواة مع الآخرين، او ضمان حياة شخصية او اجتماعية طبيعية وفق معايير مجتمعه السائدة، وذلك بسبب فقدان او تقصير وظيفي بدني او حسي او ذهني، كلي او جزئي، دائم او موقت ناتج من اعتلال في الولادة او مكتسب او حالة مرضية دامت اكثر مما ينبغي لها طبيا ان تدوم". (المادة 2).
ولمنح البطاقة، يستند القانون على "التصنيف الدولي للاعاقات الصادر عن منظمة الصحة العالمية العام 1980 وتعديلاته اللاحقة"، و"انواعها الاربعة: الحركية – البصرية – السمعية – العقلية". (المادة 3). ومن شروط الحصول عليها، وفقا للمادة 5، "يتقدم كل معوق بطلب للحصول عليها، بنفسه، او استثنائيا بواسطة ولي امره الشرعي او ممثله القانوني او احد افراد عائلته من ذوي الاهلية القانونية، على ان تقدم الطلبات في المراكز المعتمدة والمجهزة لهذا الغرض في الوزارة. وتعطي الوزارة البطاقة فورا اذا توافرت الشروط والمستندات المطلوبة".
واذا كانت الحقوق التي ينص عليها القانون 220 "جيدة"، فان الواقع يعكس امرا مغايرا كليا على صعيد تأمينها واحترامها. تقول عازار: "القانون حدد لك لوزارة معنية مسؤولياتها على هذا الصعيد. وزارة العمل مسؤولة عن توظيف المعوق، والصحة عن طبابته، واستشفائه مجانا، التربية عن تأمين التعليم له مجانا... لكن هذه الادارات يجب ان تجتمع معا، كل منها ضمن اختصاصها، لتطبيق القانون. وللاسف هذا لا يحصل".
بعد 10 اعوام على اقراره، "القانون لا يطبق الا في شكل بسيط"، على ما ترى. والامثلة تتفاوت، منها مشجعة: "وزارة الداخلية والبلديات تؤمن للمعوقين، مشكورة، اعفاءات من الرسوم البلدية. ومصلحة تسجيل السيارات تعفيهم من رسوم تسجيل سياراتهم، كما تعفيهم وزارة المال من ضريبة الاملاك المبنية...".
غير ان هناك امثلة اخرى تبين التحدي الذي يواجهه تطبيق القانون: "في الجمارك المشكلة كبيرة، لان الاعفاء من الجمارك ينحصر في الاعاقة الحركية، ولا يشمل الاعاقات البصرية والسمعية والعقلية، وذلك تطبيقا لتعميم كان وزير المال السابق (الرئيس) فؤاد السنيورة اصدره في هذا الشأن، ولا يزال ساريا حتى اليوم"، على ما تفيد. ورغم مراسلات عديدة وجهتها وزارة الشؤون الاجتماعية في هذا الخصوص الى الجمارك لتصويب الامر، "لم يحصل اي تجاوب".
وعلى الصعيد الصحي، معاناة المعوق، حامل البطاقة، تتمثل في "رفض المستشفيات تغطية وزارة الصحة تكلفة علاجه او استشفائه بالكامل". وتقول عازار: "وزارة الصحة ليست مقصرة في واجباتها تجاه المعوقين، لكنها عاجزة عن المونة على المستشفيات. ورغم ابراز المعوق موافقة الصحة على تغطية استشفائه بالكامل، الا ان المستشفيات تشترط ان يدفع الفارق (15 في المئة)، علما ان القانون لا ينص على ذلك اطلاقا ويقول ان الصحة هي التي تدفع الفارق. واحيانا كثيرة، يرفض المستشفى ادخال المعوق بحجة ان لا اسرة متوافرة لديه على حساب الصحة".
ويبقى توظيف المعوق مشكلة اخرى، تشرح ان "لدينا صعوبات مع مؤسسات القطاع الخاص التي تتذرع بان هذا التوظيف يتطلب تكييفا خاصا للمبنى او المكتب، اضافة الى الخشية من التكلفة الصحية العالية التي يتطلبها المعوق". غير ان هذه الذرائع لا تقنعها. "المعوق لا يكلف كثيرا على الصعيد الصحي احيانا كثيرة. وما يلفت هو ان المعوقين الموظفين في الوزارة يعملون في شكل افضل بكثير من الاصحاء، لانهم جديون ومندفعون ويحبون ابراز عملهم وجهدهم وجديتهم".

"النظرة الحقوقية بدائية"
عدم تجاوب هذه الجهة او تلك، اكان في القطاع العام او الخاص، مع متوجبات القانون تعزوه عازار الى سببين، "الاول الذهنية السائدة القائلة بان حتى المواطنين الاصحاء لا يحصلون على كامل حقوقهم، وبالتالي ليس مستغربا الا ينال المعوقون ايضا حقوقهم. النظرة الحقوقية الى المعوق لا تزال بدائية جدا"، على قولها. السبب الآخر "تذرع الوزارات المعنية بان لا موازنات كافية لديها لمساعدة المعوق. وهذه الحجة ليست دقيقة، لانه لا يزال يمكن المساعدة باقل قدر ممكن".
تجاه هذه التحديات، يبقى المجتمع المدني سندا اساسيا في دعم المعوقين. "لولاه، لكنا في حال مزرية"، تقول عازار. "الدولة لا تستطيع وحدها ان تقوم بواجباتها كما يجب، وتستعين بالمجتمع المدني. وكما هو معروف، الوزارة تتعاقد مع الجمعيات الاهلية التي توفر للمعوقين الخدمات اللازمة، وتدعمها ماليا".
"الضغط" من اجل تطبيق القانون 220 هو الحل. وتحقيقا لذلك، تؤمن عازار "بدور الاعلام. والمفروض بنا الاستعانة به كي نحفز دائما ونضغط، لكن هذا لا يحصل. يجب تجنيد الاعلام المكتوب والمسموع والمرئي من اجل هذه القضية. ولا وسيلة اخرى سواه. حاولنا تحفيز الادارات العامة، وجربنا كل الطرق، وقمنا بورش عمل ومؤتمرات كثيرة. وتم تداول هذه القضية كثيرا، لكن الامور بقيت مجرد كلام، ولا ترجمة عملية لها".
بالنسبة الى عازار "بطاقة المعوق افضل من لا شيء". بعد 16 عاما، تجد انه من الضروري "الا ننظر الى النصف الفارغ من الكأس، بل الى نصفها الممتلئ. في الماضي، كان هناك معوقون كثيرون يخبئهم اهلهم بعيدا من الانظار. وباطلاقها، باتت البطاقة معروفة في كل الاراضي اللبنانية، واصبح اهال كثيرون يطلبونها، على امل الحصول – على ما يقولون – على تقديمات افضل لابنائهم المعوقين في المستقبل. لم يعودوا يخجلون بهم، بل باتوا يطالبون بحقوقهم".