قطاع التعليم المهني والتقني عالق في عصر الدكتيلو العملية الإنقاذية تنتظر إقرار مرسوم إصلاحي بمنح وحوافز

انتهى عام 2011 ولا تزال الدولة تقوم تلامذة التعليم المهني والتقني في تخصص السكرتاريا على أساس كفاءتهم في الطباعة على الدكتيلو، أما تلامذة الميكانيك ففي قدرتهم على إصلاح تلفزيون باللونين الأسود والأبيض! الخبر الصاعق في بلد المفاجآت دفعنا إلى تقصي حقيقته، وكانت النتيجة أن التعليم المهني والتقني على موعد مع مرسوم إصلاحي يحاول إلحاق هذا القطاع بشيء من التطور الذي طاول مهن اليوم. ومع انتظار المرسوم لا يسعنا سوى التمني بألا يكون حقنة مورفين تخفف الألم ولا تستأصل المرض.
انتقدت مندوبة مدارس القلبين الأقدسين في الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية الأخت عفاف أبو سمرا نظرة المجتمع إلى التعليم المهني، "الذي يعتبر فئة ثانية وملجأ للراسبين والفاشلين، علما أن الشهادة الأكاديمية ليست معيارا للنجاح".
وشكت وجود شهادات مصيرها غير محدد بعد، "فالـBT تعتبر شهادة بكالوريا وبعدها يحصل التلميذ على TS لكننا لا نعرف ما إذا كانت هذه الشهادة ليسانس أم شهادة تعليم عال أو أي نوع آخر من التعليم، فثلاث سنوات من عمره لا تزيد أي صفة على شهادته، ويتم توظيفه وفق قيمة الـBT فحسب. شهادة الـTS قانونيا لا تملك إطارا، علما أن الدولة هي من تجري الامتحانات الرسمية وتصدر النتائج".
بعد الـTS يكمل الطلاب شهادة الـLT، والدولة، وفق أبو سمرا، "هي من تجري الامتحانات، وعندما يُبرز الطالب شهادته في سوق العمل يقولون له إن لا قيمة لها، فما دام لا قيمة لها لماذا أوجدتموها؟ إلى ذلك اوجدوا معاهد التكنولوجيا العالية DU، وهذه شهادة جامعية مصيرها غير واضح قانونيا".

البرامج
لفتت أبو سمرا إلى أن الدولة "لم تولِ التعليم المهني والتقني أهمية إلا هذه السنة، فوزير التربية والتعليم العالي حسّان دياب يقول إنه منكب جديّاً على الموضوع وقد استعان بالمدارس المهنية الخاصة وطلب منها اقتراحات. قدمنا اقتراحاتنا لكننا لم نتبلّغ أي جديد". وأكدت وجود "تقصير في البرامج، فتلميذ الميكانيك لا يتلقى وفق برنامج دراسته، التدريب على معدات حديثة. أما في مجال تخصصات المعلوماتية الإنتاجية، فصناعة الورق أو الطعام أو التعليب وغيرها باتت تتم عبر كمبيوتر، وهذا غير وارد أبدا في البرامج فهم يتعلمون كيفية اصلاح تلفزيون أبيض وأسود. لتعويض هذا النقص في البرامج ترسل المدارس تلامذتها لتلقى التدريب المهني في المؤسسات حيث يتم "استكرادهم". وفي ما خص "السكرتاريا" لا تزال التلميذات يقدّمن امتحاناتهن الرسمية على الدكتيلو".
ولفتت إلى أنه لم يتم تعديل المناهج "منذ ما لا يقلّ عن 30 أو 40 عاما. المطلوب من الدولة أولا إعادة النظر بالبرامج، حتى يشعر التلميذ بأنه يكتسب ما هو جديد ومستحدث، وأن يكون هناك ترابط بين ما يتعلمه التلميذ وسوق العمل، فالتخصصات المهنية تتغير وتتطور باستمرار ولا بد من مواكبتها".

المرسوم الإصلاحي
لفت المدير العام للتعليم المهني والتقني أحمد دياب إلى أن "للتعليم المهني والتقني 140 تخصصاً موزعاً على كل المستويات التعليمية، ونحن نشكّل سنويا أكثر من 20 لجنة فنية متخصصة لتعيد النظر في المناهج. فليس صحيحا أنه لا يعاد النظر بها".
أما عن التقنيات القديمة التي تجرى وفقها الامتحانات الرسمية، والتي لا تتوافق مع المقتضيات المهنية الحديثة، فقال: "ليست هذه حال كل التخصصات، ففي التخصصات الصناعية تسبقنا الاكتشافات أحيانا. اما في ما خص الاختصاصات الأخرى، كالميكانيك والإلكترونيك والكهرباء والتمريض، فإننا نشكل لجانا لإعادة النظر بها سنويا، ونحن نسعى حاليا إلى إشراك أصحاب الصناعات معنا لنأخذ باقتراحاتهم في تعديل المناهج".
وأوضح أن "شهادة الامتياز الفني أو الـTS موجودة منذ سبعينات القرن الماضي، وهي شهادة مهمة جدا، ولكن لم يتم تشريعها بالكامل، فهي مشرعة فقط في الوظيفة العامة. وقد نص القانون 478 الذي صدر العام 2000 وهو "قانون تصريف شهادات التعليم المهني"، على أن التلميذ إذا كان يحمل شهادة BT يتقدّم الى وظيفة فئة رابعة، أما إذا كان يحمل إجازة فنية LT يقدّم على وظيفة فئة ثالثة، وإذا كان يحمل شهادة الـTS فيمكنه التقدم الى وظيفة فئة ثالثة. ولكن هذا ينطبق على نطاق الوظائف العامة وليس في القطاع الخاص، ففي الأخير يواجه حملة الـTS مشكلة لا بأس بها". ولفت إلى أن "حملة الـTS الراغبين في الحصول على الدراسات العليا والدكتوراه يواجهون مشكلة أيضا، وهذا ما نعالجه حاليا ضمن مشروع إصلاحي كبير".(النهار3كانونالثاني2012)

المرسوم
كشف دياب عن أن مشروع مرسوم اصلاحي لقطاع التعليم المهني والتقني "موجود حاليا في مجلس شورى الدولة بعدما وقع عليه وزير التربية"، ويتضمن، وفق دياب، "الغاء شهادة الـCAP أي الكفاءة المهنية لأنه لم يعد لها من داع اليوم. كذلك يخفّض المشروع مدة الحصول على شهادة الـTS من ثلاث سنوات الى سنتين مع المحافظة على المنهج". ومع هذا التعديل "يمكن الطالب أن ينجز شهادة الـTS بسنتين ومن ثم ينجز بسنة الـLT فتصبح بذلك موازية للاجازة الجامعية لناحية المدة".
ويوضح المشروع أن "كل طالب يحمل شهادة TS في امكانه اكمال تخصصه الجامعي وانجاز الدراسات العليا، على أن يعادل من تخصصه 50%. فمن يحمل مثلا شهادة TS في المحاسبة يمكنه أن يحقق بسنة واحدة في الجامعة شهادة في ادارة الأعمال".
وأكد دياب أن هذا المشروع سوف يقضي في شكل متدرّج على الثقافة التي تعتبر أن التعليم المهني هو ملاذ للراسبين، فسوف يكون للراسب والناجح في الامتحانات الرسمية الحق في التسجيل في السنة الأولى BT، على أن يخضعا في نهاية السنة الى امتحان يخوّلهما الانتقال الى السنة الثانية، والناجح سينتقل تلقائيا الى السنة الثانية، أما ان نجح الراسب فعليه أن يخضع لامتحان رسمي للحصول على شهادة التأهيلية الفنية التحضيرية، فاذا نجح يعني ذلك أنه كفؤ وفي امكانه الانتقال الى السنة الثانية. واذا لم ينجح ينتسب الى الثانوية المهنية وهو تخصص يوازي الـBT يتعلم وفقه التلميذ التقنيات اليدوية، لكونه غير مجتهد في الأمور النظرية".
ويخصص المشروع جزءا للحوافز المادية، "اذ ينص على تخصيص 2000 منحة سنوية للحائزين على معدلات تبدأ من 12 وما فوق، وتختلف المنح وفق المعدلات التي يحققها التلميذ، شرط أن يحافظ على معدلات مرتفعة طيلة سنوات تخصصه. وبذلك نكون قد استقطبنا 2000 تلميذ متفوق، كما نكون قد تحكمنا في التوجيه المهني، وهذا هو الأهم، لأن المنح سوف تؤدي الى ربط التعليم المهني بسوق العمل عندما نمنحها في نخصصات محددة".