الانتفاع السياسي يحكم تسيير أمور الجامعة: ملف المدرّبين في «اللبنانية» إلى الانفجار؟

يرفض المدرّبون في الجامعة اللبنانية توقيع عقود جديدة «مجحفة بحقنا». بعد أسبوع من الحوار مع المسؤولين في الجامعة واللقاءات مع القوى السياسية، يتجهون إلى تصعيد التحرك ما لم تُعد الجامعة النظر بالتعميمين المتعلقين بعقود العمل
فاتن الحاج

لا يقلّ ملف المدرّبين في الجامعة اللبنانية سخونة عن التفرّغ وتعيين العمداء. فالأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة لجهة ترجمة الحوار الأخير بين الجامعة ولجنة المدرّبين بشأن أجر الساعة ومضمون التعميمين رقم 34 و41 الصادرين عن رئيس الجامعة د. عدنان السيد حسين بتاريخ 6/9/2012 و6/11/2012 المتعلقين بعقود العمل الجديدة. «إما الالتزام بالاتفاقات أو الانفجار»، يقول المدرّبون.

من هم المدرّبون حالياً؟ هم مجموعة من الأشخاص استعانت بهم الجامعة بعدما كبرت وبدأ ملاكها يفرغ من الموظفين، فعهدت إليهم بمهمات التدريب المهني والإداري والفني ومساعدة الأساتذة في المختبرات وفي كل الأعمال الملحقة والمكملة لهذه المهمات في الكليات والمعاهد. ببساطة، «تخريجة» لتسيير أمور الجامعة بسبب غياب التوظيف في القانون، وهم لا تنطبق عليهم صفة المدرّب المنصوص عليها في مرسوم خاص بكلية الهندسة وقرار في كلية الصحة، أي نقل خبرات سوق العمل إلى الجامعة. هذه الاستعانة تحوّلت في وقت لاحق إلى باب للفساد والانتفاع السياسي، لدرجة أن بعض المدرّبين لديهم عقدان في كليتين مختلفتين، وآخرين يقبضون عقوداً ولا يزاولون أي عمل في الجامعة، بل هم خارج الأراضي اللبنانية، تماماً كما يحصل في حالة بعض الأساتذة المتفرغين.
لكن هذه ليست حال جميع المدرّبين وعددهم نحو 1400. هؤلاء فئتان أيضاً: نحو 950 متعاقداً بالمصالحة يتقاضون ساعات التدريب سنوياً ولا يستفيدون من تقديمات الضمان الاجتماعي وبدل النقل. ونحو 450 متعاقداً بالساعة بموجب عقود نظامية صادرة وموقعة من مجلس الجامعة يقبضون شهرياً ولديهم ضمانات.
تنتظر الفئة الأولى من المدرّبين أن يفرج مجلس الوزراء عن عقود رسمية تجعلهم «نظاميين» تماماً كما الفئة الثانية، لكن الأخير لم يوافق على ملفاتهم حتى الآن تحت حجة أنها تندرج في خانة التوظيف. القضية المشتركة للفئتين هي إحداث تغيير جذري في مضمون العقود السابقة، ما أثار اعتراض المدربين على ثلاث نقاط أساسية هي: عدد الساعات المنفذة ودوام العمل، أجرة الساعة، وشروط إنهاء العقد من دون الرضى المتبادل بين الفريقين. المدرّبون نفذوا إضرابين واعتصاماً أمام الإدارة المركزية توّج ببدء حوار مع مسؤولين إداريين في الجامعة معنيين بالملف هما رندة كنج ونوال نعمة. وفي الجلسات الحوارية، رفضت اللجنة المفاوضة من المدربين الفقرة (ب) من المادة الرابعة من العقد التي تنص على أنه «يحق لأي من الفريقين المتعاقدين فسخ هذا العقد، شرط أن يبدي الفريق المعني رغبته في ذلك خطياً للفريق الآخر قبل شهر على الأقل من التاريخ الذي يحدّده للفسخ». هذا يعني أنّ الجامعة تستطيع، بحسب اللجنة، فسخ العقد مع المدرّب من دون أي مسوّغ، ما يجعل الأخير عرضة للابتزاز. واتفق الفريقان على حذف هذه الفقرة، لكن المدربين ينتظرون ترجمة الاتفاق في تعميم جديد يصدر عن رئيس الجامعة مطلع هذا الأسبوع، وهم لا يخفون خشيتهم من التراجع عنه.
إلى ذلك، تفرض الصيغة الجديدة تغطية 32 ساعة أسبوعياً، فيما ينص العقد الأساسي وتجديداته على وجوب تنفيذ الساعات المحددة والمتفق عليها. لكن ساعات عمل المدربين كانت تتجاوز، بحسب المدربين، في كثير من الأوقات عدد الساعات المحدد والمتفق عليه من دون مقابل. المشكلة ليست هنا، برأيهم، بل بانتفاء مبدأ الحاجة، إذ يسأل المدربون: «كيف يمكن تلبية حاجات الكلية ومراعاة أنظمتها الداخلية إذا كانت هناك كليات تحتاج إلى أكثر من 32 ساعة أسبوعياً وأخرى إلى أقل منها؟»
وتحت عنوان ضبط سقوف العقود، تحدد عدّد ساعات التعاقد بما تقتضيه الحاجة كالآتي: المدربون الحائزون ماستر 2 أو هندسة: 750 ساعة. المدربون الحائزون ماستر ـ 1 أو ماتريز:700 ساعة. المدربون الحائزون إجازة: 600 ساعة، والمدربون الحائزون شهادات دون مستوى الإجازة: 450 ساعة. هنا يفهم المدربون أن تميز إدارة الجامعة بين الشهادات والخبرات وسنوات الخدمة، لكن ما لا يفهمونه هو أن يقبض اثنان يعملان في المكان نفسه ويؤديان المهمات نفسها ولديهما سنوات الخدمة نفسها راتبين مختلفين، «كل بحسب عقده الذي يخضع للمحسوبيات». وعندما نقل المدربون إلى إدارة الجامعة هذا الواقع، قيل لهم إنّ باب الشكاوى مفتوح وباستطاعتهم أن يبلغوا الرئاسة بمثل هذا النوع من المخالفات لتتخذ الإجراء المناسب بحق المخالفين.
وبقي أجر الساعة أيضاً نقطة خلافية؛ إذ يلفت المدربون إلى أنّ ساعتهم توازي ثلثي أجرة ساعة الأستاذ المتعاقد بالساعة فئة ثالثة. أو هذا ما كان يحدث، عملياً، في كل الكليات قبل التعديل الأخير للأجر. في التعديل، حافظ المدرّب ــ المدرّس على هذه النسبة (أي حالياً 43 ألف ليرة لبنانية)، فيما حدّدت ساعة المدرّب الآخر (الإداري والفني، إلخ) بـ32 ألف ليرة لبنانية. في المفاوضات، قال المسؤولون إنّ النسبة المذكورة لا تنطبق على كل الكليات، فأوضح المدربون أنّ هذا ما كان يحصل على الأرض. ورأى المسؤولون أنّّ من غير المنطقي أن يكون أجر المتعاقد بالساعة أعلى من راتب موظف في الملاك كأمين السر مثلاً. هنا أشار المتعاقدون إلى أنّ الجامعة تأخذ النقاش إلى مكان آخر، إذ لا تجوز المقارنة بين الاثنين؛ إذ لا ينتميان إلى سلم وظيفي واحد.

المباراة

يرى عضو لجنة دراسة ملف المدرّبين د. شربل كفوري (الصورة) أنّ الحلول تصبّ في مصلحة المدرّبين لكونها تنهي بدعة المصالحة. لكن المشكلة ليست في مجلس الوزراء فحسب، بل في العقود الجديدة المجحفة بحقهم في الجامعة. يؤكد كفوري أنّه لا يجوز أن يطلب المدرّبون الذين يزاولون أعمالاً إدارية مكاسب الموظفين ولا يداومون مثلهم (أي 32 ساعة في الأسبوع). أما الحديث عن فسخ العقد، فهو ليس اختراعاً، وهو بمثابة تأكيد المؤكد في القانون. ويجزم بأنّ التعاقد بالتدريب خفّ كثيراً في الآونة الأخيرة. ويلفت إلى أنّه كنقابي يدعم المدربين في معركتهم للحصول على الاستقرار الوظيفي، لكنه يرى أن الحل الأمثل يكون بمباراة تجري على أساس تحديد الكليات للشواغر الوظيفية.